ابن الجوزي
180
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
الليلة ، فقام إليه شبيب فقال : يا أمير المؤمنين ، كيف ترى في هؤلاء الظلمة ؟ أنقتلهم قبل الدعاء ، أم ندعوهم قبل القتال ؟ وسأخبرك برأيي فيهم قبل أن تخبرني برأيك فيهم ، [ 1 ] أما أنا فأرى أن تقتل كل من لا يرى رأينا قريبا كان أو بعيدا ، فإنا نخرج على قوم طاغين قد تركوا أمر الله عز وجل ، فقال : لا [ بل ] [ 2 ] ندعوهم ، فلعمري ما يجيبك إلا من يرى رأيك ، والدعاء / أقطع لحجتهم ، قال : فما تقول في دمائهم وأموالهم ؟ قال : إن قتلنا وغنمنا فلنا ، وإن تجاوزنا وعفونا فموسع علينا . فلما هموا بالخروج قال لهم صالح : اتقوا الله عز وجل ولا تعجلوا إلى قتال أحد إلا أن يكونوا قوما يريدونكم وينصبون لكم ، فإنكم إنما خرجتم غضبا للَّه عز وجل ، حيث انتهكت محارمه ، وسفكت الدماء بغير حلَّها ، ولا تعيبوا على قوم أعمالهم ثم تعملوا بها ، وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرّستاق ، فابدؤا بها ، فشدوا عليها ، وتقووا بها على عدوكم . فخرجوا وأخذوا تلك الدواب فحملوا رجالتهم عليها ، وكانوا مائة وعشرة أنفس ، وأقاموا بأرض دارا ثلاثة عشر ليلة ، وتحصن منهم أهل دارا وأهل نصيبين وأهل سنجار ، وبلغ مخرجهم محمد بن مروان وهو يومئذ أمير الجزيرة ، فاستخف بأمرهم ، وبعث إليهم عدي بن عدي في خمسمائة ، فقال له : أتبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة وقد خرج معه رجال ، الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة . فزاده خمسمائة ، فسار في ألف من حرّان وكأنما يساق إلى الموت ، وكان عدي رجلا يتنسك ، فلما وصل بعث رجلا إلى صالح يقول له : إن عديّا يسألك أن تخرج من هذا البلد إلى بلد آخر فإنه كاره للقائك ، فقال للرسول : قل له هل أنت على رأينا ، فجاءه الجواب : لا ولكن أكره قتالك ، فحبس الرسول عنده وقال لأصحابه : اركبوا ، وحملوا عليهم وهم على غفلة ، فانهزموا وحووا ما في عسكرهم ، وذهب فل عدي وأوائل أصحابه حتى دخلوا على محمد بن مروان ، فغضب ، ثم دعا خالد ابن جزي السلمي فبعثه في ألف وخمسمائة ودعا الحارث بن جعونة العامري ، فبعثه في ألف وخمسمائة ، وقال : اخرجا إلى هذه
--> [ 1 ] في ت : « تخبرني فيهم برأيك » . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت .